
- 12 -
" تنويعات على حالة الشيزوفرينيا اتهمنى بها الطبيب!!"
كثيرًا ما يشغلنى شاغل أتحير في إيجاد أسباب له، أو حتى تبريرات..فبعد أن استتب الغزو الوهابي على أرض مصر، عن طريق حشود المدرسين والأطباء والموظفين وحتى العمال الذين عملوا لفترات طويلة بالمملكة العربية السعودية ثم عادو.. تغيرت أنماط الحياة بمصر كثيرًا، هجرنا تقريبًا سماع التلاوة الرائعة الجميلة لعبد الباسط، ومحمد رفعت، ومحمد صديق المنشاوي وغيرهم، وصار الناس يميلون بذوق عام تم إفساده إلى أصوات مفتعلة للحزيفى والسيديسى والثُّمّنى وغيرهم، وبتنا نستمع إلى سرسعات خليجية ونهمل عبد الحليم وأم كلثوم ونجاة.. وغزت مطابخنا الكبة والتبولة والمقلوبة ولم يبق لنا إلا أن نأكل الجراد والضب..
الشيزوفرينيا بدأت في مجتمعي أيها الطبيب.. أنا مجرد عرض لها.. عبرت الزمن فجأة من عصر المينى جيب والشورت الساخن إلى الإسدال والخيام السوداء التي ترفع طرف النقاب لتدخل في فمها ملاعق الكشرى أو عصا الأيس كريم .. حاولت أن أحلل تلك الظواهر مستعينًا بقراءتى أو بالكتب المتخصصة، أو حتى مستعينًا بصديق، وفشلت تمامًا..
أحيانًا أستيقظ في الصباح الباكر وأفتح الراديو على صوت الموسيقا الكلاسيك أو على إذاعة القرآن الكريم إذا ما ضاقت بصدري الهموم.. انتهت التلاوة الجميلة ونوه المعلق باستضافة شيخ أزهري جليل سيرد على أسئلة المستمعين.. ثم توالت الأسئلة العبثية التي تعود بنا إلى عصور ما قبل التاريخ، ولم يكن الشيخ الجليل يهملها أو يوئنب سائلها بل يرد عليها بحكمة العالم الفذ والمتدين الورع.. ثم جاء سؤال غريب من مستمع: هل كان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشون جواره أو خلفه؟! في الوقت الذي تدكنا فيه أمريكا بالقنابل الذكية في سبيلها لإبادتنا، كان المستمع الكريم مشغول بهذا السؤال؟.. وبدلاً من أن يوبخه الشيخ الجليل بأدب أو ينهره أو حتى يفهمه خطأه .. بسمل وحوقل واستعاذ ثم تنحنح وقال: إن صحابة الرسول كانوا يمشون معه حسب أشعة الشمس فلو كانت أشعتها خلف النبي أو في مواجهته فسيمشون بجواره لأن ظله الكريم.. وإن كانت أشعة الشمس من يساره فظله الكريم سيكون على يمينه وصحابته سيكونون عن يساره حتى لا يطأون ظله وهكذا.
أغلقت الراديو وجلست أفكر.. كان النبي الكريم يأكل مع صحابته من قصعة واحدة ويقتسم معهم الخبز المقدد ويشاورهم في الأمر، لكنني لم أسمع أبداً أنه كان يشغلهم بمسائل وعلوم البصريات..
كنت بمقر الجريدة الأسبوعية المستقلة أصحح بروفاتها قبيل صدور العدد.. استأذننى زميلي وليام لعمل مكالمة من جهازى المحمول.. انشغلت عنه بالمراجعة وتركته يتكلم.. تكلم عدة دقائق وشكرني. أنهيت عملي وانصرفت من مقر الجريدة.. وأثناء سيرى رن المحمول.. كان الرقم مجهولاً بالنسبة لى وترددت قليلا في الرد عليه ثم استجبت.. أتانى صوت رقيق يقول لي: ممكن أكلم الأستاذ وليام؟.. أخبرتها بأنى غادرت مقر الجريدة وتركته هناك..
قالت لي: إنت زميله ؟
.. رددت بالإيجاب.
- طب اسمك إيه ؟
قلت : مصطفى
- مصطفى وصاحب وليام.. حلوه دي.
- وفيها إيه يعني؟
- لأ مفيهاش.. إنت مالك عصبي كده؟
- أنا مش عصبي.. بس ممكن تكلميه في الجورنال.
- إنتَ زهقت منّى؟
استمر هذا الحوار العبثي طويلاً.. وتطرق بنا إلى مناطق شائكة، بداية من هل أنت مرتبط؟ وهل لديك مكان؟.. ما الألوان التي تفضلها في الملابس الداخلية الحريمى؟.. وانتهى بموعد في الغد..
كان الفضول هو باعثي الوحيد على تحديد الموعد رغم اننى أحسست بعدم الرضا عن استجابتى لها التي تمثل خيانة وليام.. ولم أشعر بارتياح إلا عندما كلمته في مكتب الجريدة، فوجدنه وحكيت له ما حدث بالتفصيل.. ضحك بشدة وقال لي: ع البَرَكة.. سألته: إنت مش مضايق؟.. أجاب ضاحكا: يا عم كبر دماغك.. هي كانت مراتي. دي يدوب مصدر من مصادري..
كانت قد وصفت لي نفسها بأنها جميلة ووزنها مش بطال ومطلّقة ولديها ثلاثة أطفال لكن لا يبين عليها هذا أبدًا، من يراها يعتقد أنها مازالت عذراء.. كنت أراهن نفسى على أن نسبة الصدق في كلامها لا تتعدى عشرة في المائة.. الحادبة عشرة بالضبط كان المحمول يرن، وكانت حضرتها واقفة بالقرب من المنزل كما قالت لي، في انتظار الصعود.. وصفت لها الشقة، ونبهتها إذا سألها البواب أن تقول له إنها صاعدة لعيادة الدكتور ذهني بالخامس، وتصعد بالمصعد للدور السادس.. لم يكن من عادتى أن أطلب هذا الطلب إلا من محترفى الدعارة اللواتي ينم مظهرهن عن ابتذال.. رن جرس الباب رنات متقطعة خفيفة.. فتحت وفوجئت وتسمرت.. كانت أمامى سيدة بالنقاب والإسدال واقفة في مواجهتى.. قبل أن أهم بإغلاق الباب في وجهها همست: مش حضرتك الأستاذ مصطفى؟
بمجرد أن هززت رأسي دفعتنى بقوة إلى الداخل، وأغلقت الباب خلفها وهي تهمس بصوت يشبه صوت الفحيح: أنا هبة.. أشرت إليها نحو غرفة النوم ومازالت الدهشة تتملكنى.. أغلقت الباب من الداخل بالمفتاح وأطفات أنوار الصالة في توقيت لا يتجاوز الثلاثين ثانية، ثم اتجهت صوب غرفة النوم. هذه المرة كانت صدمتى أشد وقعًا.. وجدت السيدة وقد رقدت عارية تمامًا وملابسها مكومة على مسند السرير.. اعتقدت أن هلاوسى رجعت الّى مرة أخرى.. لكنها كانت تكلمنى بابتسامة عريضة وعندما لاحظت توترى وحيرتى، نهضت بسرعة واحتضنتنى وأخذت بيدى كما تأخذ الأم بيد طفلها الصغير وهي تدخله الحضانة لأول مرة.. أرقدتنى بجانبها وهمست في أذنى: إنت زعلت؟.. ثم قامت بنصفها العلوى ومدت يديها بآلية جاذبة سروالها الصغير وصدريتها ذات اللون الأحمر القانى.. وارتدتهما في عجالة وهي تنظر تجاهى وتقول: إيه رأيك؟.. نظرت إليها نظرة سريعة ولم أعلق.. وقفت على السرير ولملمت باقي ملابسها وهي تقول بزهق: لأ دا أنت حكايتك حكاية أنا هلبس هدومى كلها تانى وابقى قلعنى أنت براحتك.. جذبتها من سمانة قدمها قائلاً بحدة: اقعدي.. رقدت بجوارى ثم أدارت لى وجهها تتأملنى وهى حائرة النظرات.. لن تفهمنى هذه الغبية، من النقاب حتى العرى المطلق في لحظات.. صدمتنى ببجاحتها وهي تقول: أنت هتفضل تبص لي.. مش هاتخلّص..
وضعت يدى على جانبها المنبعج وتحسست بطنها البارز وقلت بسخرية وانا أقلدها: أنا جسمي زي أثار الحكيم.. قالت بتحدٍ: أيوه زيها هو أنت يعنى كنت شفت جسم أثار؟
تجاوز الحوار بعد ذلك قدرتى العقلية، فانهمكت بجد وإخلاص حتى انتهيت.. جلسنا بعدها نأكل بعض الفاكهة.. فقالت وهي تلقى ببذور العنب في الطقطوقة: تحب تكمل أنا فاضية لحد الساعة اتنين.. اعتذرت لها بأن لدى موعدًا.. طلبت منى تحديد مواعيد اللقاءات.. قلت كمن يتخلص منها: هبقى أكلمك في التليفون، يئست فاستأذنتنى لتستحم.. عادت ترتدى ملابسها أمامى ثم قالت بأدب: عندك مصلية.. تسمرت قليلاً ولم أعلق، ثم أشرت إليها بيدى تجاه الدولاب.. فتحته ولمحتها في الدرفة السفلية فجذبتها بسرعة وهي تسألنى عن اتجاه القبلة.. خرجت بها إلى الصالة وأضأت الأنوار وأنا أشير نحو نوقع القبلة.. صلت ثم عادت تزدرد حبات العنب بتلكؤ.. ناولتها نقوداً لم تعدها ودستها في حافظتها الصغيرة.. لم يعد بيننا حوار أو كلام ممكن أن يقال.. بعد أن هندمت ملابسها على جسدها أمام تسريحة الدولاب.. اتجهت إلىّ وخبطت على فخذى بيد رقيقة وقالت على استحياء: ممكن أسألك سؤال بس أوعى تزعل؟.. قررت ألا أعطيها نقوداً تحت أي مسمى تدعيه وقلت بتأفف: اسألى..
قالت: انت حقيقى اسمك مصطفى. ولاّ مغير اسمك وبعدين تطلع قبطى زي وليام؟ لم أستوعب ما قالته في بادئ الأمر ثم جرجرنى فضولى لسؤالها : ليه؟ .. قالت: أصلى بصراحة مابحبش أعمل الحاجات دي مع مسيحيين.. حرام.
صرخت فيها وسببتها وأنا أقول: يا بنت الكدابة أنا أصلاً عرفتك من قبطي.
قالت: والله العظيم بعد ماعرفت إنه قبطي ما خلتوش يلمس ضوفر من صباعى، وبقينا اصحاب بس..
هبة غادرت شقتى ولم تعد إليها أبدًا..
مازال يشغلنى شاغل.. من منا مريض الشيزوفرينيا.. أنا أم المجتمع؟ ولماذا أنا حائرٌ دائما بين مجتمع أحبه ولا أقدر العيش فيه أو التعايش معه.. ومجتمع أكرهه وألتصق به.. قصتى مع مارشا كانت لابد أن تنتهى منذ فترة طويلة.. لماذا أتمسك بها إلى الآن؟ أدور في فلكها.. مدارها يجذبنى أينما كنت.. مهما ابتعدت أعود إليها.. حالتى خطرة وتتفاقم يوميًا.. ولا أدرى كيف ستكون نهايتى؟
هل سأظل معلقًا بين السماء والأرض؛ آرائى وقيمى وموهبتى وعلاقاتى بالآخرين؟
أحتاج إلى ياسمين الأن كي أغسل ذنوبى على بابها.. هل أطلب منها المجئ؟.. وأظل أدور وألف بالمواضيع.. غير قادر على البوح المباشر.. عاجز عن إيصال مشاعرى بالتفصيل.. وتعود البنت الصغيرة فى آخر الأمر إلى بيتها تسأل نفسها كثيرًا عن غريب الأطوار الذي دخل حياتها فجأة، وتجهل ماذا يريد منها بالتفصيل.
" تغريدة البجعة "
مكاوي سعيد
الدار للنشر والتوزيع
ص 93- 98
****
عجيب أمر هذا الإنسان؛ بكل سهولة ينتقل من نقيض لنقيض، بل وينسى تماما، ما كان عليه، حتى أنه يبدو وكأنه لا يتخيل أن ما كان يحدث حدث، هذا الأمر يبدو جليا، إذا كان لك مثلا علاقة بإبنة خالتك، ستكون معك يوما.. تقول أنك تحبها، تجردها من ملابسها، وتفعل بحرص خوفا من الفضيحة، وبداخلك شعور التضحية، لأنك تشبع رغبة داخلها، ولو لم تفعل لأعطيتها فرصة إشباعها خارج إطار العائلة، ويكون العار الذي سيلاحقك في كل مكان، ويتردد داخلك أقوال على غرار أن
"جحا أولى بلحم توره"
العجيب أنها عندما تتزوج، ترتدى النقاب، وتتقابلان في الزيارات العائلية، ستعاملها كما يليق بإبنة خالتك المتزوجة التي تصلى ولا تترك فرضا، ولن تضبط نفسك ولو مرة واحدة عندما تفكر فيما كنتما تفعلانه في الماضي، وإذا سمعت أن أحدا يتقول عن ماضيكما، ربما تتعجب من ضميره الأسود وستقول عنه بكل صدق إنه كاذب.
" كيرياليسون "
هاني عبد المريد
الدار للنشر والتوزيع
ص 75 – 76



