الثلاثاء، أبريل 22، 2008

مبارك مات ...... على الفيس بوك

ونحن نعيش في أجواءِ العصرٍ العولمي، وبقراءةٍ عابرةٍ للأحداثِ المنصرمة، يبدو هكذا أن الثورةََ المنتظرَ قيامِها في مصرَ سيكونُ منبعُها إليكتروني إنترنتي – نسبة إلى الإنترنت. وأتوقعُ أنا - والله أعلم طبعا - أن يكونَ مركز هذه الثورةِ تحديداً على هذه الشبكة العنكبوتية هو هذا الموقع الشهير الذي فرض نفسه على العالم في الفترة الأخيرة وهو موقع الفيس بوك ( Facebook )؛ إذ انتشر على الموقعِ مؤخراً الكثيرُ من الجروباتِ التي تنادي بسقوط النظام وبالتغير وأيضا بعدم توريث الحكم إلى السياسي الشاب جمال مبارك.


"إضراب 6 إبريل" الماضي مثلا، منبعه، لمن لا يعرف، هو جروب على هذا الموقع. مؤسسته شابة – 27 سنة ليسانس ألسن – عضو بحزب الغد ولكن لم يكن لها نشاط ميداني قبل أن تنشأ جروبها على الفيس بوك الذي كان بذرة ذلك الإضراب. ذلك الإضراب الذي لم يترك بصمة واضحة سوى أن أمن الدولة قام في يوم 17 إبريل باعتقال هذه الشابة - إسراء عبد الفتاح أحمد – التي انتهت التحقيقات معها بعدم خطورتها على الأمن القومي وأن جروبها هذا هو فكرة ذاتية ساذجة غير مبيتة النية وليس فكرة تنظيمية إرهابية. ولهذا أصدر السيد المستشار النائب العام قراره بإخلاء سبيل إسراء بضمان محل إقامتها. ولكن ما أن خرجت إسراء من قسم قصر النيل اختفت ولم تظهر إلى الآن. أين إسراء؟؟! الله ووزارة الداخلية أعلم.


جديد جروبات المعارضة على موقع الفيس بوك هو جروب مبارك مات الذي أنشئه بطرس ميشيل - الإرهابى الدولي المؤسس لتنظيم أنا ارهابى. من الواضح هكذا أن روح الخنوع والخضوع قد خرجت أخيرا من الأجساد المسيحية، وأصبح لدى المسيحيين الشجاعة، غير المعهود بها، للتحريض على معارضة نظام الحكم بل وعلى قلبه أيضا، الأمر الذي يجعلك تتأكد من أن الظلم قد استفحل واستياء الشعب من حكومته قد بلغ الحلقوم.


المميز للجروب عن غيره من أمثاله هو أنه صنع لنفسه أغنية باسمه. كما أن أغنية "مبارك مات" تقرر أن تكون الأغنية الرسمية لإضراب يوم 4مايو القادم: يوم عيد الميلاد الثمانين لسيادة الرئيس والقائد العام للقوات المسلحة. إذن فهناك إضراب آخر في هذا اليوم. وددت فقط تنبيه من لم يعرف لتخطيط برنامجه في هذا اليوم. إما أن يجلس في بيته وإما أن يخرج للمشاركة في هذا الإضراب.


عودة إلى موضوع الأغنية ...... بشكل عام خرجت الأغنية بعباءة إيقاع الراب كأغاني فريق M.T.M ، وهي تحتاج منك أن تدقق السمع فيها أو أن تسمعها مثنى وثلاث ورباع كي تتفهم كلماتها. وعندما تفعل ذلك قد تستاء من جملها أو على الأقل من جملة واحدة أرى - أنا شخصيا - أن جملا مثلها تحول القضية إلى أمر تافه قذر. يمكنك أن تسمع الأغنية بعد تحميلها بالضغط هنا.

الأحد، أبريل 13، 2008

الترجمة العربية الأولى لـ ((لأوبانيشاد)) ... استخفاف بعقلية القارئ العربي


""Datta. Dayadhvam. Damyata.

لو كنتَ قد قرأتَ قصيدة "ت.س.إليوت" الشهيرة "قصيدةَ الأرض الخراب " فبالتأكيدِ أنه قد مرت عليك هذه الكلمات الثلاث التي جاءت في السطرِ قبلِ الأخيرِ من القصيدة. ومثلما يحدث لأي قارئ لهذه القصيده منذ بدايتها يتعجب ولا يفهم معاني جملها المعقدة التي تبدو عبثية للوهلة الأولى إلى أن يلجأ إلى الحواشي التي كتبها إليوت بنفسه فتضح له بعض الرؤى، ويفهم ما هو المقصود من هذه الكلمات الغريبة، وما ستجده هو أن إليوت يشير بإقتبسها من هذا الشي الذي يسمى الـ Upanishads!! بالضبط كانت إشارته هكذا:""Brihadarayaka-Upanishad v, I. إذا أكملتَ قراءة تفسيره ستفهم أنَّ فكرة عنوان القسم الخامس الذي أسماه (ما قاله الرعد) مأخوذ من خرافة معنى الرعد في الأوبانيشاد الهندية، وأن هذه الكلمات – "داتا، داياد هفام، داميتا" – تعنى بالترتيب: "اعطوا، تعاطفوا، سيطروا" كثلاث مفاتيح للخروج من الخراب الذي حل بهذه الأرض، أو هذا العالم في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية.

اعتقد أنك قد فهمتَ المقصود، وهنا يكون أمامك خياران: إما أن تكتفي بهذا القدرِ من البحثِ عن المقصود من وراء هذه الكلمات وتنهي قراءتك لهذه القصيدة المعقدة الفهم، وإما أن تكمل بحثك عن شيء باللغة العربية لتشرح لك ما هذه الـ الأوبانيشاد الهنديه، وعن أي شيء تتحدث؟! لو كنت قد اخترت الخيار الثاني؛ فنتائج بحثك شبه مضمونة: الأوبانيشاد: محاورات فلسفية في أسفار الهند الدينية القديمه، كتبت بعد "الفيدا" ولها أهمية في تطور "الفيدانتا"، هكذا جاءت مادة "الأوبانيشاد" في الموسوعة العربية الميسرة مثلا التي لم يتم تحديثها منذ صدور الطبعة الأولى لها في عام 1965. النتيجة الاكثر ضماناً أنك بالتأكيد لم تعثر على ترجمة عربية للأوبانيشاد قبل عام 2008. أتخيلك ساعتها تتخلى عن أي شيء باللغة العربية هذه وتلجأ للبحث عن شيء عنها بالغة الإنجليزية مثلا. وهنا أعرف أنك حتما قد عثرت على الكثير والكثير عنها وعن فلسفتها، بل وأؤكد أنك وجدت لها ترجمات إنجليزية كثيرة متوفرة على شبكة الإنترنت. صحيح أنني أعتقد أن ليس من بينها الترجمة الإنجليزية الأصلية لها، إنما يكفى أصلا أن لها أكثر من ترجمة وأكثر من محاولة لتبسيطها ليقرأها أكبر قدر ممكن من جمهور المثقفين في الغرب.

"الأوبانيشاد"، لمن لم يقرأ عنها إلى الآن، نصوص للديانة الهندوسية مكتوبة بلغة "السانسكريت" منذ آلاف السنين ومحتواها معلومات عن الله والحقيقة السامية. والكلمة تعنى في اللغة الهندية "الجلوس عن قرب"، ويقصد بذلك أن يجلس التلميذ أمام معلمه ليتلقى منه العلم. عدد الحكماء الذين كتبوا الأوبانيشاد غير معروف، إنما المعروف هم إثنا عشر حكيماً حسب موسوعة جرولير الأكاديمية وهم:- كينا، كاتا، براسنا، مونداكا، ماندوكيا، تايتيريا، شاندوجيا، بريهادارانياسكا، سفيتاصفاتارا، مايتري، كاوشيتاكي.

أول ترجمة للأوبانيشاد كانت من نصيب اللغة الفارسية سنة 1657، وقت ما كانت الفارسية هي اللغة الاكثر قراءة في الشرق. أنجز هذه الترجمة "دارا شخو" الابن الاكبر لـ "شاه جهان". في عام 1804 ظهرت أول ترجمة لاتينيه لهذه النصوص على يد "انكيتل دبرون". بعد ذلك بأربعة عشرة أعوام خرجت الترجمة اللاتينية الثانية التي تأثر بها بعض الفلاسفة أمثال "شوبينهور" الذي قال عنها في مقدمة كتابه "العالم إرادة وفكرة":- "إن ترجمة الأوبانيشاد إلى اللاتينية سنة 1818 هو أكبر إنجاز لهذا القرن ....."

عام 2008 هو عام ميلاد أول ترجمة عربية للأوبانيشاد التي خلَّفها لنا المترجم عبد السلام زيان وأصدرتها مؤخرا دار "شمس" للنشر والتوزيع. ياله من حدث جلل: بالطبع إنه حدث جلل خاصة إذا كان الكتاب أول ترجمة عربية لنصوص يعود تاريخها لأكثر من 6000 سنة وأن هذه الترجمة قد طال انتظارها لأكثر من مئة وتسعين عاما مثلا. أظنك الآن يا قارئ "الأرض الخراب" سعيدا جدا وأنك أكثر القراء حرصا على اقتناء نسخة لك من هذه الترجمة وأنك لن تبخل على نفسك أن تدفع الأربعين جنيها فيها. هذا ما فعلتُه أنا شخصيا، وكان أول عمل قمت به هو أنني عدت لحواشي الأرض الخراب لأعرف من أي أوبانيشاد إقتبس إليوت هذه الكلمات الثلاث التي لم أنسها. كما ذكرت أشار إليوت هكذا: Brihadarayaka-Upanishad v, I. . ما فهمته بعد ذلك أن حرف الـv" " يشير إلى القسم الخامس أما الـ I"" فإلى إلى الفصل الأول من القسم الخامس في أوبانيشاد "بريهادارانكيا" التي احتلت الجزء العاشر والأخير من هذه الترجمة العربية.

هكذا تقسم معظم الترجمات الإنجليزية للأوبانيشاد التي عثرت عليها على شبكة الإنترنت: كل جزء يحتوى على أقسام كل قسم منها يتكون من عدة فصول. إرجع إذن أيها القارئ للفصل الأول من القسم الخامس في الجزء العاشر هذا – جزء "بريهادارانكيا" – في أول ترجمة عربية للأوبانيشاد، لتجد أنك قد أدخلت نفسك،بشراءك هذا الكتاب،في متاهة لا تستطيع الخروج منها. المترجم،عزيزي القارئ، لا يشير في ترجمته إلى فصول أو أقسام في أي جزء من هذه الأوبانيشاد! تصور لم يفعل ذلك على الرغم من أنها أسهل مرحلة في عملية الترجمة هذه!! حتما أنه أرهق نفسه أكثر من سنة لإخراج هذا العمل الجلل إلا أنه أفسده من وجهة نظري باهماله الإشارة إلى هذه الأقسام والفصول الأمر الذي جعلني منذ البداية أقول بأن مثل هذه الترجمة لا تصلح أن تكون مرجعا. لماذا إذن أغفل ذلك؟! لا أتصور أنه لا يدرك أهمية هذه الإشارة. إجابة هذ السؤال ستعرفها عندما تصر على أن تجد هذه الكلمات الثلاث في هذه المتاهة. ما فعلته أنا شخصيا هو أنني وضعت نصا إنجليزيا أمام هذا النص العربي في محاولة للقبض على أول كل قسم وكل فصل من كل قسم لأصل بهذه المحاولة إلى هذه الكلمات التي أتعبتني. وهنا وصلت إلى الإجابة: وا حسرتاه!! الترجمة ليست أمينه .. إنها ليست كامله. إنظر مثلا .. آخر فصول الترجمة كلها هو الفصل التاسع من القسم الرابع لهذا الجزء العاشر المكون في الأصل من ستة أقسام، ويمكنك التأكد من ذلك. لهذا السبب فإنك لن تجد خرافة معنى الرعد؛ لأنها طبعا في القسم الخامس الذي لم يصل المترجم إليه أصلا.

عدم الأمانة يتجلى في كل مكان من الكتاب: فمثلا لم يترجم "زيان" جزء الـ " كايفاليا" وَ الـ "سفيتاصفاتارا" الذي أشار هو شخصيا في تمهيده أنهم ضمن المراجع الرئيسية للهندوس. مثال آخر:- الجزء التاسع – شاندوجيا – يبدأه مترجمنا من الفصل الثالث والعشرين من القسم الثاني وينتقل بعد بضع سطور إلى الفصل الثاث عشر من القسم الثالث. وهكذ قس على ذلك باقي الترجمة.

مثل هذا الشيء الذي فعله "زيان" لا يطلق عليه ترجمة للأوبانيشاد على الإطلاق. هذا الشيء يا أستاذ "زيان" ما هو إلا مقتطفات، مختارات، مختصر للأوبانيشاد أي شيء من هذا القبيل غير أن تستخف بعقولنا لحد أن تجعلنا نتعامل مع الكتاب على أنه الترجمة العربية الكامله للأوبانيشاد.

مسألة ترجمة مقتطفات من أي كتاب أمر وارد وأقبله كقارئ ولكن في حالة أن يشير المترجم إلى ذلك في المقدمة. وهذا الذي لم يفعله أيضا "عبد السلام زيان" في مقدمته التي جاءت في صفحة واحدة فقط ذات الإثنين والثلاثين سطرا اختص ثمانية منها لتوجيه الشكر لمن ساعدوه على تحقيق هذه المتاهة، وقبلها قدم المترجم اعتذارا مسبقا لمعتنقي الديانة الهندوسية إذا كان قد ارتكب أي هفوة في تأويله وترجمته لـ "لأوبانيشاد". وهنا أقول له أنني أعتقد بأن هذه الترجمة لن تصل إليهم أصلا، ويبقى أن تعتذر لنا نحن على شرائنا كتابك.

غلاف الكتاب جاء أسفله اسم "عبد السلام زيان" كما لو كان هو مؤلفه مثلا! كما لم يحتو الكتاب على تعريفا للمترجم؛ حتى أن الصحفيين تضاربت أقوالهم عن جنسيته: فالكثير يعرفه بالكاتب التونسي المقيم بالسويد أما في جريدة روز اليوسف – وفي عددها الصادر يوم 11/4/2008 - فجاء أنه الكاتب المصري المقيم بالسويد.

في نهاية الكتاب خصصت صفحة لكتابة المرجعين فقط اللذين عاد إليهما المترجم وأولهما الترجمة السويسرية التي يبدو أنه اعتمد عليها اعماداً شبه كليأ. والسؤال: هل يعقل لترجمة نصوص كهذه – قتلت بحثا - أن يكون مراجعها بهذه الضآلة؟!!!